تسلط المسؤول ورضا المواطن

 

دأبت المملكة منذ تأسيسها على يد الملك المؤسس عبد العزيز  طيب الله ثراه وصولا لعهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز  حفظه الله وعلى مدار العقود الماضية  على انتهاج أسلوب قويم ومنهج سديد اعتبر منذ ذلك التاريخ سمة من سمات نظام الحكم من المملكة، وهو ما سمي لاحقاً في علوم السياسة بسياسة ''الباب المفتوح''، والتي  تتمحور في الالتقاء المواطنين  واستقبالهم والاطلاع على أحوالهم والاستماع لآرائهم وتدبر شؤونهم وتوجيه المسؤولين دائما بتلمس احتياجاتهم  ومعالجة مشكلاتهم في أجواء تسودها الألفة ويغلفها الإخاء والانفتاح والبساطة والعفوية والشفافية في مشهد يجسد صورة صادقة للعلاقة بين ولاة الأمر والمواطنين.

أقول ذلك وأفخر به لأنه صفة من صفات قيادة هذه البلاد المباركة المتبعة في تحقيق العدالة ومنطلق نظامها الأساسي للحكم ونظامها القضائي القائم على تحكيم الشريعة الإسلامية ومحاربة ومكافحة الفساد والحد منه مع محاسبة المفسدين، ولكن على رغم يؤسفني ما أراه في بعض جهاتنا الخدمية  سواء  الحكومية أو الخاصة  من ممارسات التسلط من بعض مسؤولي تلك الجهات وتماديهم في اللا مسؤولية وعدم الشعور بالانتماء لجهاتهم واللامبالاة بجودة أداء العمل ورضا المستفيد بل وإيصال  شعور للمواطنين بأنهم يعملون في مؤسسة خاصة  لبعض هؤلاء المسؤولين في وقت يفترض  فيه أنهم وضعوا في مناصبهم لخدمة المواطن وتسهيل الحصول على حقوقه.

حالات كثيرة جدا تشتكي الجور والظلم من نماذج إدارية تسلطت واستخدمت النظام بذكاء وأحيانا دون نظام للتسلط على المواطن في إساءة واضحة للفساد واستعمال السلطة وخاصة إذا كان المسؤول النافذ في منصب أو وظيفة حساسة تتعلق على سبيل المثال بالخدمات أو الأنشطة ذات الطابع الرقابي أو الأمني أو الخدمي، كأن يعمل في الأجهزة الرقابية، أو الأجهزة التحقيقية والتأديبية، أو أن يكون مسؤولاً في بعض المراكز الخدمية المهمة، مستغلا قِدَم بعض الأنظمة، وتعقيد اللوائح، وجهل المواطنين بحقوقهم، ومتجاهلا بأفعاله وتسلطه هذا تبعات تلك الممارسات المستفيدين من خدمات الجهة التي يخدم الوطن منها.

الأشد ألما وأسفا  أن البعض قد يرى مثل هذه الممارسات نظامية، وفوق هذا كله قد يجدونها حقا من حقوق المسؤول، وذلك لأسباب ثقافية واجتماعية لا مجال لذكرها هنا، بما يؤكد غياب المسؤولية الوطنية وما يقتضيه العمل بمتطلب "أمن الوطن مسؤولية الجميع".

 ولعلي أجدها هنا فرصة لتوعية المواطنين وتذكيرهم بأن المملكة سَنت تنظيمات وإجراءات وقوانين كثيرة تجرّم مثل هذه الممارسات  حيث نص المرسوم الملكي رقم 43 لعام 1377هـ على تجريم التحكم في الأفراد، أو الافتئات على حق من حقوقهم الشخصية بأي صورة من الصور، أو تكليفهم بما لا يجب نظاماً، ويترتب على من يقوم بهذا الفعل عقوبة جنائية هي السجن بما لا يزيد عن عشر سنوات  وهي وغيرها خطوات إصلاحية تهدف الدولة منها للحدّ من تدهور بعض خدماتها العامة ومن تبديد الأموال المخصصة لتنفيذ المشاريع الحيوية التي تساعد في تطور المجتمع.

الأكيد أننا نعيش اليوم في عصر "سلمان الحزم" و"محمد العزم" الذي أكد سموه قبل أيام على ضرورة أن يأخذ كل مواطن سعودي حقه المشروع  في تخليص المعاملات الحكومية وأن المرحلة القادمة ستكون لاستئصال الفساد وسط الموظفين الحكوميين المتوسطين والصغار الفاسدين، بعد أن تخلصت البلاد بنسبة كبيرة من الرؤوس الكبيرة كما وجه سمو ولي العهد بتغيير منظومة عمل الهيئة والقضاء على الإجراءات البيروقراطية السابقة.

وكلنا أمل في ظل رؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى قطع دابر الفساد،  وتخفيف الإجراءات البيروقراطية الطويلة  واعتماد الشفافية والعدالة والحوكمة والمحاسبة الفورية‪ من لأي مسؤول ومعاقبته، مهما كانت مكانته وموقعه، الالتزام بخدمة المواطنين كما وجهت قيادتنا الرشيدة وتلبية احتياجاتهم وتقوى الله فيهم والتوقف عن تمادي بعضهم في التسلط  عليهم وحرمانهم من حقوق ومشاريع حيوية تتضمنها خطط الدولة بتوفير حياة معيشية لائقة لهم ولكل المقيمين عليها  في مختلف المجالات، حتى تمضي مملكة الحزم والعزم بخطى حثيثة بإذن الله في طريق بناء نهضتها الشاملة، ومستقبلها المزدهر على أسس العدل، فالوطن أمانة ومن فرّط فيه "كائن من كان" لا تسامح معه، ولن تأخذنا في الله لومة لائم.

 

كتبه : عبيدالله عبيد ( محرر في صحيفتي " حائل نيوز " و " صحيفة الرياض "